الغزالي
52
المستصفى
تعالى هو المالك ولم يأذن ، فإن قيل : لو كان قبيحا لنهى عنه وورد السمع به ، فعدم ورود السمع دليل على انتفاء قبحه ، قلنا : لو كان حسنا لاذن فيه ، وورد السمع به ، فعدم ورود السمع به دليل على انتفاء حسنه ، فإن قيل : إذا أعلمنا الله تعالى أنه نافع ولا ضرر فيه فقد أذن فيه ، قلنا : فإعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا ضرر فيه ينبغي أن يكون أذنا ، فإن قيل : الملك منا يتضرر ، والله لا يتضرر ، فالتصرف في مخلوقاته بالإضافة إليه يجري مجرى التصرف في مرآة الانسان بالنظر فيها ، وفي حائطه بالاستظلال به ، وفي سراجه بالاستضاءة به ، قلنا : لو كان قبح التصرف في ملك الغير لتضرره لا لعدم أذنه لقبح ، وإن أذن إذا كان متضررا كيف ومنع المالك من المرآة والظل والاستضاءة بالسراج قبيح ، وقد منع الله عباده من جملة من المأكولات ولم يقبح ، فإن كان ذلك لضرر العبد فما من فعل إلا ويتصور أن يكون فيه ضرر خفي لا يدركه العقل ويرد التوقيف بالنهي عنه ، ثم نقول : قولكم أنه إذا كان لا يتضرر الباري بتصرفنا فيباح ، فلم قلتم ذلك ؟ فإن نقل مرآة الغير من موضع إلى موضع وإن كان لا يتضرر به صاحبها يحرم ، وإنما يباح النظر ، لان النظر ليس تصرفا في المرآة ، كما أن النظر إلى الله تعالى وإلى السماء ليس تصرفا في المنظور فيه ، ولا في الاستظلال تصرف في الحائط ولا في الاستضاءة تصرف في السراج ، فلو تصرف في نفس هذه الأشياء ربما يقضي بتحريمه إلا إذ دل السمع على جوازه ، فإن قيل : خلق الله تعالى الطعوم فيها ، والذوق دليل على أنه أراد انتفاعنا بها ، فقد كان قادرا على خلقها عارية عن الطعوم ؟ قلنا : الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة خلوها عن الاعراض التي هي قابلة لها ، فلا يستقيم ذلك وإن سلم ، فلعله خلقها لا لينتفع بها أحد ، بل خلق العالم بأسره لا لعلة ، أو لعله خلقها ليدرك ثواب اجتنابها مع الشهوة ، كما يثاب على ترك القبائح المشتهاة . وأما مذهب أصحاب الحظر فأظهر بطلانا : إذ لا يعرف حظرها بضرورة العقل ولا بدليله ، ومعنى الحظر ترجيح جانب الترك على جانب الفعل لتعلق ضرر بجانب الفعل ، فمن أين يعلم ذلك ؟ ولم يرد سمع ، والعقل لا يقضي به بل ربما يتضرر بترك اللذات عاجلا ، فكيف يصير تركها أولى من فعلها ؟ وقولهم : إنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح فاسد ، لأنا لا نسلم قبح ذلك لولا تحريم الشرع ونهيه ولو حكم فيه العادة فذلك يقبح في حق من تضرر بالتصرف في ملكه ، بل القبيح المنع مما لا ضرر فيه ، ثم قد بينا أن حقيقة درك القبح ترجع إلى مخالفة الغرض ، وأن ذلك لا حقيقة له . وأما مذهب الوقف : إن أرادوا به أن الحكم موقوف على ورود السمع ، ولا حكم في الحال فصحيح ، إذ معنى الحكم الخطاب ، ولا خطاب قبل ورود السمع ، وإن أريد به أنا نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة ، فهو خطأ ، لأنا ندري أنه لا حظر ، إذ معنى الحظر قول الله تعالى لا تفعلوه ، ولا إباحة ، إذ معنى الإباحة قوله : إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ، ولم يرد شئ من ذلك . الفن الثاني في أقسام الاحكام ويشتمل على تمهيد ومسائل خمس عشرة . أما التمهيد : فإن أقسام الأحكام الثابتة لافعال المكلفين خمسة : الواجب ، والمحظور والمباح ، والمندوب والمكروه ووجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل